Month: June 2016

قصة من واقع جبل سمّامة : مجلة القرب تنبش في خفايا قضية شرف عصفت بمصير عائلة

Posted on

قصة من واقع جبل سمّامة : مجلة القرب تنبش في خفايا قضية شرف عصفت بمصير عائلة

7

منذ ثلاث سنوات و أنا أحتفظ في مكتبتي الصغيرة ، بمجموعة من الأوراق و الوثائق و الأحكام و مضامين الولادة و الصور ونسخ من الجرائد ، أحاول أن أصيغها كما تبدُو لِي لا كما بدت للقاضي أو المحامية « المتخاذلة »..، لكنّني لا أعرف من أين أبدأ القصَّة. لا أخفيكم سرا قرائي الأعزاء انّ الحكاية معقدّة إلى درجة أنّني كنت خائفة من أين سأبدأ بكتابتها ، و كلّ بداياتها بالنسبة لي صعبة على الإطلاق، وبالمناسبة أودّ أن أتقدّم بالشكر الكبير للصديقة الرائعة والصحفية بـــ »ذي أسشياتد براس »، « عائدة سيركز » من سراييفو، لأنها دعتني بإصرار للكتابة و كنت أطرح السؤال باستمرار من أين أبدأ؟ فقالت لي » إبدئيها من حيث لم يرها الناّسُ من قبل.. »

قصة إجتماعية، من عمق جبل سمّامة 

يعرف الكل طيبة الخالة مليكة بنت طاهر وضعف حيلتها و حسن ضيافة و كرم العم مختار الكل يعرف أيضا، أنّ الكوخ أو الزريبة كما يسميها أهالي الريف مليئة بالأغنام و لكنّ أغلبها ليست ملكا له و لا لعائلته بل ملك لأحبابه الذين تطوّع لخدمتهم و تربية ماشيتهم و اماّ ما تبقى من رزقه فهو يُقسم أن لا يمرّ عليه ضيف دون أن يُغدِقه كرما و محبة من تلك الزريبة بالذات…تبدأ الحكاية من جبل سمامة … (أولاد صالح)، قريبا من منطقة القرين بالقصرين ..

13393192_10208140328878530_1855666033_n

هناكَ حيث تربى 9 أطفال (نجاة، سالمة، عواطف، عائشة ، رابح، سهام ، نصيرة زهير و محمد علي)،في غرفتين و كوخ و سورٍ ترهّل منذ زمن، يحتطِبونَ و يحصِدُون القمح و الشعير في فصله ويجمعون « العوِينة  » و اللوز و يقطفون الجرجير ،يسميه أهالي المنطقة (الحارّة) و يخبزون الطابونة، دون كلل أو ملل

من العيب حسب تقاليد هذه العائلة قول كلمة « لا »، أو النظر مطولا في عين الأب أو رفع الصوت في حضور الضيف أو الخروج أو الضحك مازاد عن حده .. من العيب أيضا أن يطالب هؤلاء التسعة بالدراسة و الحال أن الأب لا يقدر على تدريسهم جميعا، فـــ »شهرية الشانطي  » لاتكفي، لذلك لم تدرس عائشة ..و لم يتمكن رابح من مواصلة دراسته، أما بالنسبة لمحمد علي .. فقد مات قبل ذلك كلّه… هل كان الجهل سببا في انطلاء الحيلة على عائشة ؟

كان رابح في عمر يتدرج نحو النضج لكنه ليس ناضجا( 24 سنة)، أما أختهُ عائشة ( 27سنة ) فأجمل البنات في تلك العائلة .. ومحمد علي (19 سنة) طفل محبوب و هادئ إلى أبعد حدّ

أعرف عائشة جيدا .. هي فتاة مرحة، جميلة إلى أبعد حدّ بشعر أصفر منسدل و عينان زرقاوان و بشرة تغزوها الإشراقة و الحمرة الممزوجة بالبياض، لم تكن تغادر البيت إلاّ لحاجة ملحة، كانت دائمةَ العمل، تستفيق باكرا لتُعين أمها على قضاء حاجات البيت… أو لتطلق عنَانَ الأغنام.. طَيّْبة إلى أبعد حدّ.. لكنها بلهاء إلى حدّ أبعد .. إلى درجة أنها صدّقت ..تلك القصة الواهية و تسببت دونما علم منها … أو سبق إعداد في قلبِ هرمِ العائلة رأسا على عقب 

« أقبل عليها الهالك عبد الرحمان » ح  » بمحل سكناها و طلب منها أن تحضر له طعاما و قد كانت تعتبره بمنزلة الأب و لم تشك في سلوكه تجاهها و لما دخلت المطبخ قصد إعداد الطعام تفاجأت به يلتحق بها و يوصد الباب و يتولى جذبها إليه و قد أدركت نيتَهُ بأنه يرغب في مواقعتِها فأبَت و ترجّته هُ أن يخلي سبيلها خصوصا و أنها تعتبرُه بمثابة الأخ أو الأب إلا أنه ألقى كلامها عرض الحائط و تولى اغتصابها …أدركت حينها أنَّها أضحت ثيّبا و لامتْهُ على صنيعه فاعتذر منها و أبدى استعداده لجبر ضررها وتولى قراءة الفاتحة و أقنعها بأنها أضحَت زوجتَه أمام الله فاقتنعت .. » .

أكان جهلا منها بأصول التزويج الشرعي أم قوة منه في تقديم الحجة « العرفية » لها، أم خوفا من القادم أم هي مجرد ُ رغبةٍ منها في بناءِ أسرةٍ كسائر الفتيات في عمرها أم قصة ُ حبٍّ افتراضيةٍ أو ربما تطلُّعا إلى زواج شرعي … أبيح ما هو غير شرعي في نظر المجتمع و القادم

قضية الشرف التي قلبت هرم العائلة رأسا على عقب

يقول البحث في ما يقول : (…) « و قد تبين لها أنهُ شقيقها رابح و أدركت خطورة الموقِفِ و قد أحست بالعار و الفضيحة و سرعان ما انسحبت من مكان الواقعة ..و ضلت جاثمة أمام المعمورة تبكي لِيتناهَى الى مسامعها صوتُ شقيقِها رابح و هو يتشاجر مع الهالك و يلومه  » خاين غدار ندخّلك لداري و تخونني » في حين لم تسمع الجواب من الهالك الذي كان في حالة سكرٍ مطبَقٍ و لم تمضِ فترةٌ طويلة حتى خرج إليهَا رابح و هو يصيح بالقول « كَرِّيتِي عليَّا باشْ انْباَصِي ، باش نعدي عمرِي في الحبس »

و سرعان ما تحول مجرى القضية  

وحيث اقتضت أحكام الفصل 107 من مجلة الإجراءات الجزائية أنه إذا رأى قاضي التحقيق أن الأفعال تشكِّلُ جناية، فإنه يقرر إحالة المظنون فيه، محمد علي (صغير العائلة، ذلك الطفل البريء الذي مات في السجن لطول مدة الإيقاف) على دائرة الاتهام مع بيان وقائع القضية و قائمة في المحجوزات

نذكر في هذا المستوى أنه بعد أن سلّم رابح نفسه للأمن ، تم جلب أخته عائشة و شقيقهم الأصغر محمد علي لاتهامه بالمشاركة في نقل جثَّةِ الهالك

حينها فقط بدأت المأساة

وانقلبت حياة العائلة البسيطة الطيبة، وانطلق الأب (مختار بن يونس) يبيع الأغنام و يطلب سلفة تلو الأخرى و يتعو د ركوب الحافلات و سائر وسائل النقل في إطار متابعة مجريات الإيقاف والبحث،الَّذَيْنِ طالا، من سجن إلى آخر … وفي قلبه أمل كبير أن تعرف المحكمة أنّه لم يربِّي أبناءه على مثل تلك الجرائم ..ولم يعوّد ابنته على الدفاع عن نفسها و لم يطلق سبيلها لتدرُس و تفهم معاني الحياة بالشكل الصحيح و أنه لم يمنَع رابح من ارتياد بعض الحانات ، بل كان يظنُّ انّ أبناءه الذين لا يرفعون الصوتَ في حضرته لا يمكن أن يتسببوا في زيادة ضغطه أو في المأساة اللاحقة..

13400959_10208140328798528_1626529851_n

كان يأمل باستمرار أنّ المحكمة قد تنصف أصحاب الشرف.. و يعتقد أنَّ الدفاع عن الشرف منصوص عليه كما يجب ، إلى درجة أنه تمنى لو أن القتل، كان مُدَسترا فقط ليحضى بعودة ولَده (رغم أنه يكره اللحظة التي تسرّع فيها ابنه على حدّ قوله دائما) لكنّ القانون كعادته .. لم يحمِ المغفلينَ.. خصوصا و أنَّ الحيلة ضعيفة كما أنّ المحامية لن تستطيع متابعة القضية من بداياتها إلى نهاياتها بمبلغ زهيد قُدَّم لها و الحال أنها في البدايات.. بشكل أو بآخر.. كيف يمكن لمحامٍ في بداياته أن يستأنف و أن يثبت براءة قاتِليْنِ لا محالةَ .. بغضِّ النظر عن أية خلفيات … لا الشرف و لا الفقر و لا الخمر ولا الغابة ولا الجبل و لا الجرجير ُينصِفُهم.. !

في انقراض الدعوى بموجب الوفاة

يضيف البحث في هذا الإطار ما يلي : « و حيث ثبُت بالرجوع لمظروفات الملف أنّ المظنون فيه محمد علي (صغير العائلة) قد وافته المنية أثناء نشر القضية وذلك على إثر إصابته بالحريق أثناء الأحداث الثورة التي جدّت بالسجن المدني بالقصرين و قد تم توجيهه لمستشفى الحروق البليغة بتونس إلا أنه توفي في الأثناء (أي يوم 23 أوت 2011) و قد أذنَّا بإضافة مضمون وفاته للملف.. »

يذكر أنّه يوم 29 أفريل 2011، تم إحراق السجن المدني بالقصرين أين يقبع محمد علي، بما تسبب في فرار 522 سجينا أغلبهم من المجرمين الخطيرين في حين بقي في السجن 106 سجينا فقط، و هم الذين اختنقوا بفعل الدخان.

توفي محمد علي بعد اختناقه في السجن المدني و نقله إلى مستشفى الحروق البليغة و من ثمة إلى مستشفى شارل نيكولأين وافته المنية و كان من المفترض أن تحصل عائلته على جبرر للضرر النفسي و المادي و المعنوي الذي لحق بهم.. لكن كيف يمكن جبر ضررٍ لعائلةٍ صارت تبدو في عين الكل مذنبة من صغيرها إلى كبيرها.. دون استثناء..

من المهم أن نذكر هنا أنّ حادثة قتل عبد الرحمان ح ، جدت يوم 25 مارس 2011 و أنه في اليوم الموالي سلم رابح (مولود في 10-02-1988) نفسه طوعا، و تم إحضاره بعد ذلك إلى قاضي التحقيق بالمكتب الثالث بالمحكمة الابتدائية بالقصرين حيث اعترف بأنه قتل الهالك في لحظتها(أي انّ التفكير في القتل كان وليد اللحظة) دون تخطيط مسبق (سبق ترصّد)، »..و إن كان يعترف بمسؤوليته المباشرة في ازهاق روح الهالك الذي فاجأه في عقر داره يحاول مواقعة شقيقته عائشة فإنه لم يكن يننوي قتله أصلا وأن ما صدر عنه من عنف تجاهه كان بباعث الدفاع عن العرض و أنه لم يخطط مطلقا لقتله كما لم يكن على علم بعلاقة خنائية بين الهالك و عائشة كما اضاف بالنسبة لشهادته بشأن دور شقيقه محمد علي انه كان ساعة حصول الحادثة مستغرقا في النوم و لم يفطن لما جرى..  »

عم مختار ينهي المأساة و يفارق الحياة و قد تَعبَ

« تعبت يا آسيا ، و ما عاد باليد حيلة،سألتحق بك في تونس، سمعت أنّ هيئة الكرامة فتحت أبوابها، لعلها تعيد لي ما ضاع مني جهدا .. هلاّ ساعدتني؟  » يقصد هيئة الحقيقة و الكرامة و يعتقد بأنني بوصفي صحفية قد أستطيع نقل معاناة العائلة، التي ظلت تحافظ على كرامتها برغم كل ما حصل و رغم انقلاب الظروف ضدّها و رغم ضعف الحيلة.

يضحك عم مختار كلما رآني و يقول لي ليتك كنت المحامي، لتوليت القضية لمعرفتك بتفاصيل حياتنا …

كانت تلك آخر كلمات عم مختار بن يونس، قبل أن تزداد حالته الصحية سوءا وهو الذي يعاني من أمراض السكر و ضغط الدم ينضاف إليهم مرض القلب بعد الفاجعات المتكررة ، شرفٌ و قتلٌ و سجن وموت الصَّغِير محمد و ربما جرّاءَ مرضٍ أشدُّ وطأةً و هو مرضُ تشتتِ العائلة .. ثم توفي عم مختار يوم يوم 1 مارس 2016… هاهو المشهد يتكرر خالتي مليكة تشرب الشاي الأحمر المُعكّر عساه يصف حالتها بعد فقدانها لماء الوجه و لأشقى شقيات بناتها و أجملهنّ و أكثرهنّ وقوفا إلى جانبها ساعات الفجر المبكّر و لولدها البِكر بعد الحكم بالسجن المؤبّد عليهما ولأصغر أطفالها و أكثرهم براءة بعد أن توفي في حالة إيقاف لم يكن يعهدها من قبل حتى في المدرسة لأنه كان متفوقا، لم يُوقِفهُ المعلم ، و لم يُعاقَب من قبلُ مثل هذا العقاب .. يليهُم ربّ بيتها الذي كان يحمل الهم بدلا منها و كان يزور أبناءها ليطمئِنَّ قلبُها و كان يُضحكها إذا تراءى له الحزن على وجهِها المجعّد الذي هزل و ازداد ضعفا بفعل الصدمات المتكررة ..

13384749_10208140329118536_898974611_n

تكره خالتي مليكة الطعام الذي ماعاد يشاركها فيه أطفالها وتلك العائلة الكبيرة بعضها تزوج و بعضها سُجن و البعض الآخر دُفن تحت التراب إلى الأبد … طرفَةُ الفقر و ما يفعلهُ بسكان الجبل في البيت لم تبق سوى الخالة مليكة و زهير الولد الأوسط ، أكلتها المفضلة هي الجرجير مغلي في الماء و الملح وهو الطعام الوحيد الذي تستطيع أن تبتلعَهُ مع المرارة الدفينة في حلقها في شكل غصة ..

في إحدى الصباحات تنقّل زهير إلى مدينة سبيطلة للقاء المعتمد الذي يرجِعُ له بالنظر حال العائلة التي تعيش في جبل سمامة، ليطلُب منه تمكينه من راتب الحضيرة الذي كان يتمتع به والده شهريا و قيمته 200دينار ، يُقتَطَع منه مبلغ 20 دينار لأحدهم ليُبقِي لَه ُعلى ذلك الراتب .. السيد المعتمد رفضَ .. بحجة أنّ « الأحيَاء أوْلى بالراتب …و أنّه شاب يمكنه التعويل على نفسه « !

لكنّ السؤال الذي لا يكاد يفارقني .. على من تُعوّل خالتي مليكة بعد اليوم و هل هي من الأحياء أم من الأموات؟

و من يعيد حقّها و حقّ ابنها الذي توفي في التاسع عشر من العمر بفعل « الدخان » بإحدى السجون و دون أيّ ردّ للاعتبار ؟ من يعوّضها تلك الأكلة التي ليست أكلتها المفضلة حقاّ، لكنّ الفقر فرضها عليها .. من يرمم بيتها أو بالأحرى المعمورة .. أوالغرفتان المشققتان من الأعلى إلى الأسفل بسبب التنقيب على النفط في جبل سمامة أواخر 2010 ، الجبل القريب من حقل الدوّلاب 40 كلمترا شمال القصرين (و هو حقل يحتوي على 13 بئر تنتجُ 000 230 برميل سنويا، اشتهر بإنتاجه للنفط منذ سنة 1968 لكن القرية القريبة منه (القرين) لا تزال تعاني من انعدام المياه الصالحة للشراب و نقص المرافق الصحية (مستوصف واحد لـــمعدل 3869 ساكن) ومن غياب أبسط مقومات العيش ، و تلك حكاية أخرى !!

13393521_10208140328998533_1815913344_n

من يرشد خالة مليكة إلى مسكِّنٍ للآلام و هي التي لا تعرف من النوم إلا ساعات قليلة منذ سنة 2011 ولا تحفظ من الطرقات إلاّ طريق المقبرة و لا شيء يربطها بالحياة بعد اليوم إلاّ أمل ..قد ينقطع.. في نهاية هذا المقال ، و ليست نهاية القصة أشير إلى أنني أشعر براحة أكبر بعد أن نقلت بعض تفاصيل هذه الحالة الاجتماعية الموجعة و أترك للصور إضافة مالم أستطع تصويره و لكم قرائي الأعزاء فهم ما لا أُجِد تبليغه مع أنه يستحقّ الفهم….

بقلم اسيا التوايتي-/مجلة القرب

Advertisements